مؤتمر لندن
الغد- ماجد الجرافي
نهاية الشهر الماضي، (يناير 2010)، وضعت الأزمة اليمنية المركبة على طاولة نقاش دولي واسع، استمر لمدة ساعتين خلال مؤتمر لندن حول اليمن وأفغانستان، الذي ألزم في بيانه الختامي الحكومة اليمنية بإجراءات عاجلة وملموسة للإصلاح السياسي والاقتصادي، كضرورة ملحة لإنقاذ الدولة اليمنية من الفشل، والحيلولة دون تحول اليمن إلى أفغانستان أخرى.
لم يشر البيان الختامي لمؤتمر لندن لأية تفاصيل بشأن هذه الإصلاحات، ولكنه أكد على ضرورة أن تكون عاجلة، ولهذا لم تنتظر الحكومة اليمنية كثيرا لإثبات جديتها للمجتمع الدولي بهذا الصدد، فقد شرعت فور انتهاء المؤتمر برفع أسعار الوقود، في إطار برنامج الإصلاحات الاقتصادية، ورفع الدعم عن المشتقات النفطية.
"هذا بيان للناس"..
لقد بدأت الحكومة اليمنية بتنفيذ ما يبدو بأنه الأسهل من الإصلاحات التي التزمت بها في مؤتمر لندن، متجاهلة الإصلاحات السياسية التي تبدو أكثر تعقيدا، الإصلاحات السياسية، التي تضع اليمن على محك العجز عن الوفاء بالتزاماته أمام المجتمع الدولي بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية عاجلة وملموسة.
ربما كان هذا العجز، هو الدافع الحقيقي لتدشين المؤتمر الشعبي العام (الحاكم) حملة إعلامية يحاول من خلالها إخلاء ساحته من مسؤولية فشل الحوار السياسي بينه وبين تكتل أحزاب اللقاء المشترك (المعارض)، حيث عقد الحزب الحاكم السبت الماضي، مؤتمراً صحفيا طارئا، بدا موجها للخارج أكثر من الداخل.
فقد جرت العادة على أن تتم مجريات الحوار بين الحزب الحاكم والمشترك، في جو من التعتيم الإعلامي، غير أن هذا الكشف عن خفايا الحوار هذه المرة يبدو ضرورة بالنسبة للحزب الحاكم، من باب رفع الحرج أمام المجتمع الدولي على الأقل، وهذا هو ما أوحت به الأدبيات التي وزعت خلال هذا المؤتمر الصحفي، فقد كشف الحزب الحاكم عن جميع وثائق الحوار السياسي المتعثر بين الأحزاب، في كتيب فاخر حمل عنوان "هذا بيان للناس"، واستعرض من خلاله مسار الحوار الجاري بينه وبين أحزاب اللقاء المشترك، التي حملها كامل المسؤولية عن تعثر الحوار، والخروج بحل سياسي ينقذ البلد من أزماته الراهنة.
اهتمام الصحافة الأجنبية بهذا المؤتمر الصحفي كان واضحا، فقد كانت مشاركة عدد من الصحفيين الأجانب ملفتة، وربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يشهد فيها مؤتمر صحفي للحزب الحاكم اهتماما إعلاميا أجنبيا منافسا لاهتمام وسائل الإعلام العربية، والصحافة المحلية.
طريق مسدود للحوار
لم يكن هذا المؤتمر الصحفي مؤتمرا تقليديا، فقد افتتح بكلمة مطولة استعرض فيها الدكتور عبد الكريم الإرياني (المستشار السياسي لرئيس الجمهورية، والنائب الثاني للمؤتمر الشعبي العام) المسار التاريخي للحوار بين الحزب الحاكم وأحزاب اللقاء المشترك، في كلمة مطولة خلص فيها إلى الكشف عن وصول الحوار الثلاثاء الماضي إلى طريق مسدود، بسبب رفض المشترك لجميع المقترحات التي تقدم بها الحزب الحاكم بشأن تطبيق اتفاق 23 فبراير 2009، الموقع بين الأحزاب السياسية الممثلة في مجلس النواب، والذي تم على أساسه تأجيل الانتخابات البرلمانية من إبريل 2009، إلى إبريل 2011، لإتاحة الفرصة أمام الأحزاب السياسية من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن الإصلاحات الانتخابية والدستورية والسياسية، محل الخلاف بين فرقاء العمل السياسي.
وأوضح الإرياني خلال المؤتمر الصحفي بأن أحزاب اللقاء المشترك رفضت كل المقترحات التي تقدم بها المؤتمر الشعبي العام، من أجل التوصل إلى آلية لتنفيذ اتفاق فبراير، وآخرها مقترح وثيقة التحضير لعقد مؤتمر للحوار الوطني الشامل، تقدم بها الحزب الحاكم، ورفضتها أحزاب اللقاء المشترك الثلاثاء الماضي، مشيرا إلى أن رفض أحزاب اللقاء المشترك لهذه الوثيقة كان مبنيا على أساس اشتراطه بأن يتم التوقيع عليها من قبل لجنة التشاور الوطني المنبثقة عن ملتقى التشاور الوطني، الذي نظمته أحزاب اللقاء المشترك منتصف العام الماضي، وليس من قبله على اعتبار أن هذه اللجنة تعتبر ممثلة لأحزاب اللقاء المشترك.
وفيما أكد الإرياني حرص حزبه على استمرار الحوار، أشار إلى أن الوثيقة التي رفض المشترك التوقيع عليها قابلة للتوقيع في أي وقت، حيث تتضمن هذه الوثيقة مقترحا بتشكيل لجنة مشتركة للإعداد والتهيئة لمؤتمر الحوار الوطني الشامل، من عدد متساو يمثلون المؤتمر والمشترك وحلفاءهما.
جرع جديدة
خلال المؤتمر الصحفي بدا الإرياني متهربا من الحديث حول نتائج مؤتمر لندن، غير أنه أشار إلى أن الشعب هو الحكم، فإذا أبدى ارتياحه لنتائجه فعلى المعارضين أن يموتوا بغيظهم.
وفيما يتعلق بالإصلاحات الاقتصادية وإقرار الحكومة اليمنية لجرعة سعرية جديدة، رغم التزام الحزب الحاكم خلال الانتخابات الرئاسية الماضية بأن لا جرع جديدة، قال الإرياني ساخرا: "لا جرع جديدة أثناء الانتخابات"، مشيرا إلى أنه يؤمن بأن الاقتصاد اليمني والمواطن اليمني لن يتحسن وضعه ما دام هناك دعم بأي صورة كانت.
وفيما يتعلق بأزمة صعدة أكد الإرياني بأن الدولة تبذل جهودا غير معلنة لتهدئة الأمور، وأكد بأن اللجنة الأمنية العليا أعدت جدولا زمنيا لتنفيذ النقاط الست التي أعلن الحوثيون قبولهم بها، مشيرا إلى أن هذا البرنامج الزمني يتضمن تشكيل خمس لجان من مجلسي النواب والشورى، للإشراف على تنفيذه، بمشاركة الجانب السعودي، فيما يخص لجنة الحدود.
وأوضح الإرياني بأن هذه اللجان هي، لجنة حرف سفيان، ولجنة صعدة، ولجنة الملاحيط، ولجنة الشريط الحدودي، ولجنة استلام الأسلحة من الحوثيين، مؤكدا على ضرورة أن تكون البداية من قبل المتمردين، من خلال فتح الطرقات، في حرف سفيان وصعدة والملاحيط.
وأكد الإرياني بأن الدولة قد سلمت نسخة من هذه الآلية لزعيم التمرد عبد الملك الحوثي عبر وسطاء محايدين، وفي حال التوقيع عليها من قبله، سيتم إيقاف العمليات العسكرية.
الشرعية القبلية
أما الأمين العام المساعد للمؤتمر الشعبي العام (صادق أمين أبو راس) فقد أكد من جانبه حرص حزبه على إجراء الحوار عبر المؤسسات الدستورية والقانونية، معتبرا اشتراط المشترك بأن يتم الحوار مع "لجنة التشاور الوطني" التي يرأسها الشيخ حميد الأحمر، خروجا إلى "الشرعية القبلية" لا يمكن القبول به.
وكشف أبو راس بأن المؤتمر الشعبي العام لديه خياران في الوقت الراهن، وهما العمل على تنفيذ اتفاق فبراير وفقا للوثيقة التي رفضت أحزاب اللقاء المشترك التوقيع عليها، وإما العمل على تطبيق الدستور والقانون، غير أن الإرياني أِشار في حديثه إلى خيار ثالث وهو أن ينهي كل طرف في المؤتمر والمشترك حواراته الخاصة قبل البدء في حوار وطني بينهما.
رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم (سلطان البركاني) نحى بالمؤتمر الصحفي منحا هجوميا مكثفا على الشيخ حميد الأحمر الذي يترأس لجنة الحوار الوطني التابعة لأحزاب اللقاء المشترك، وقال بأن "حميد الأحمر يعتقد بأن النظام والقانون هو حاشد"، معتبرا وثيقة الإنقاذ الوطني التي أعلنت لجنة الحوار الوطني خالية من أي رؤية واضحة، وبأنها مجرد وثيقة لسب وشتم وتجريح رئيس البلاد، مطالبا برؤية للإنقاذ من حميد الأحمر قبل إنقاذ البلاد.
المشترك يلجأ إلى البرلمان
أحزاب اللقاء المشترك من جانبها واصلت التصعيد عبر كتلها البرلمانية في مجلس النواب الذي استأنف عقد جلساته السبت الماضي، في ظل مواصلة نواب المشترك مقاطعتهم لحضور الجلسات، حتى يتم الرد على رسالة المشترك إلى رئاسة المجلس بشأن خطوات تنفيذ اتفاق فبراير.
وكانت الكتل البرلمانية لأحزاب اللقاء المشترك طالبت في رسالتها إلى مجلس النواب بإلغاء كافة الإجراءات المخالفة لاتفاق فبراير، مطالبة بالبدء في إجراء حوار للتوافق على معالجات وطنية للقضية الجنوبية وقضية صعدة، وإقرار الإصلاحات السياسية والتعديلات الدستورية والقانونية والإصلاحات الانتخابية، وفي مقدمتها نظام القائمة النسبية، وتعديل قانون الانتخابات، وتشكيل اللجنة العليا للانتخابات، وتهيئة المناخات الملائمة لتنفيذ اتفاق فبراير.