taraz500@yahoo.com

ما حدث لمكتب قناة الجزيرة مجازفة غير محسوبة.. ويستدعي سرعة تصحيح الموقف، واتخاذ إجراءات توفيقية تضمن عدم تكرار المصادرة، وفي نفس الوقت تضمن الحياد والموضوعية- إذا جاز التعبير- في مشاكل الحراك.
الواضح أن اقتحام المكتب حدث دون أي استخدام للعنف أو لجوء لمقاومة تجر إلى عنف لا سمح الله!!.. لكن الاقتحام بحد ذاته تم بدون أية إجراءات قانونية، ربما بسبب عدم وجود ترخيص رسمي موثق لدى وزارة الإعلام، وإن كان هناك توجيهات من رئيس الجمهورية في السابق بدخول جهاز البث المباشر للجزيرة- حسب معرفتي- إلا أنه كان يجب أن يتحول إلى وثيقة مكتوبة تستعد بها الجزيرة لمواجهة مثل هذه المواقف.. وبالمقابل كان يجب أن يكون لدى وزارة الإعلام قانونها الجديد لتطبيقه على مثل هذه المواقف المحرجة جدا والبالغة الحساسية، لا أن تظل متذرعة بتعليقه حتى إشعار آخر!!
ليس ثمة خطورة أو شبهات في ما تغطيه الجزيرة من أخبار وقيامها بواجب مهني في نقل الأحداث الملفتة ومتابعة الحقيقة، ولا خطورة في إجراءات وزارة الإعلام، ولا حتى في الحراك نفسه.. وإنما الخطورة، كما يبدو للجميع، تكمن في حساسية "القضية" التي يتبناها هذا الحراك دون غيرها من "بلاوي" اليمن.. نظراً لما تحمله قضيتهم الواضحة من أبعاد خطيرة تطال الانتصار الوحيد للفكر الوحدوي القومي والإسلامي في العصر الحديث والتاريخ المعاصر، وما تسببه من نتائج وتداعيات بالتأكيد سيصعب السيطرة عليها مستقبلاً.. لأن قضية الحراك " طالما ظلت تنادي بعودة الانفصال" إنما تهدد وحدة بلد وأمنه واستقراره ، وبالتالي زعزعة المنطقة برمتها!!.. وهذا هو السبب الذي دفع الأشقاء وأميركا والمجتمع الدولي للقلق مما يجري في اليمن وإبداء دعمهم القوي والواضح ليس للنظام الحاكم، بل للوحدة اليمنية.. وهو ذات الموقف الذي سبق أن تبنته دولة قطر الشقيقة وبقوة، ليس حالياً مع الدعم العربي والدولي، بل منذ قيام الوحدة وحتى اليوم والغد.
يعني ذلك أن الجزيرة التي تنتمي لمشروعية الوحدة كحق يمني وعربي، ووحدة الموقف القطري والخليجي والعربي والدولي تجاهها، تعلم أن هناك قيمة مقدسة لا يجوز أن تتحول إلى ورقة بيد أحد، أو لعبة أطراف.. وهي في إطار عملها المهني الواضح جداً تدرك ما تفعله، وتعلم جيداً أنها مطالبة بالتعامل مع قضية "الحراك" بحساسية بالغة لا تستفز أحداً، أو تثير نقمةً، أو تهيج طرفاً، أو تميع عدالة القضية الوحدوية وقداستها التاريخية والإنسانية، أو تكرس في وجدان المجتمع الخليجي والعربي والإسلامي لعدالة قضايا التجزئة ومشروعية التفكك وحق المجتمعات في تقسيم أوطانهم، خاصة أننا في عصر الانقسامات التي دفعت الشعوب ثمنها غالياً، وما تزال، وستظل!!
ليس من الذكاء أن نخسر مصداقية القنوات المهنية والبحث عن سياط انتقامية.. والجزيرة في عملها تعلم أيضاً أنه ليس من حقها التساهل مع حساسية قضية خطيرة كالوحدة اليمنية، أو الوحدة السودانية، أو وحدة المسلمين والأقباط في مصر، أو حتى الوحدة الألمانية، أو وحدة العراق ولبنان والصومال وأفغانستان وباكستان وإيران...الخ.. تعلم أن عليها الحذر من التأثير على ثقافة الأجيال في قضايا كهذه، ليس دفاعاً عن نظام، أو حباً في طرف.. وإنما حفاظاً على ثوابت إنسانية تدخل في إطار أخلاقيات المهنة وضوابط الرسالة الصحفية.. وعلى هذا يجب أن تقوم علاقتنا جميعاً، صحفيين وقنوات وإذاعات ونقابات ومجتمعا مدنيا وحقوقيا.. حتى نعيد لقضايا النضال العادلة قيمتها وقداستها التي.... بدأت في التآكل!!