taraz500@yahoo.com

كلما أمعنا في تأمل المشهد الصعداوي الذي هدأت جبهاته بعد أن هزت الضمائر وأفزعت الداخل والخارج وأبكت الكثيرين وشردت مئات الآلاف، نجد أنفسنا بأمس الحاجة إلى وقفة جادة وأمام مسئولية رسمية ومجتمعية كبرى لتقييم الأسباب الجذرية التي أشعلت الفتنة.. ليس من باب اتهام ومحاسبة أشخاص أو فئة بعينها، ولكن من باب أن "الفتنة نائمة...!!" وجب أن لا نسمح بإيقاظها مرة أخرى!!
واضح أن الفتنة الملعونة أيقظتها صراعات الدين السياسي، فقد استثمر الخلافات المذهبية بين "السلفية والزيدية" لتصفية حسابات إقليمية كنا في غنى عنها نحن وكل الإقليم!!
ما زلت أتذكر جيداً حواراً مميزاً أجراه الزميل ماجد الجرافي مع الدكتور أحمد الدغشي قبل نحو عامين أو أكثر، ربما في صحيفتنا هذه، عندما تحدث عن أن السلفية التقليدية التي أنشأها المرحوم مقبل الوادعي كانت سببا مباشرا لإحياء النزعة المذهبية الضيقة في صعدة على وجه الخصوص.. وأكد"أن النزعة المذهبية هناك كانت متآخية مع الفكر السائد وهو فكر جيل الثورة الذي ينظر للإسلام نظرة عامة دون أن يحصره في إطار مذهبي".. وأن الوادعي لم يكن يخفي نزعته وعلاقاته الوهابية الصرفة، لمقاومة ثقافة زيدية متآخية في صعدة، قابلته حركة حوثية متمردة، لمواجهة مد "وهابي" يراد فرضه عليهم!
كان ذلك تشخيصاًً عقلانياً راقياً من شخصية إسلامية مستنيرة نكن لها احتراماً وتقديراً كبيرين رغم أي خلافات فرعية، وهو ممن نعول عليهم القيام بمهمة إصلاح وترميم للعلاقة المنهارة بين الدين والسياسة.. فنحن بأمس الحاجة للتآخي والتكيف مع الآخر لخلق تعايش حميم بين أبناء الملة والقبلة الواحدة وأتباع النبي الأعظم (ص)، دون اعتبار لفوارق المذاهب.. لأننا جربنا كثيراً مرارة اختلاق الفتن والخلافات الفرعية التي أثبتت عُـقمها وتداعياتها الكارثية في كل زمان ومكان.
تنظيم إسلامي كبير كالإصلاح، كان يجب أن يتحمل مسئولية أكبر في احتواء الجماعات الإسلامية والنزاعات المذهبية باعتباره أكبر الأحزاب الإسلامية اليمنيةً.. لكنه وقع في خطأ فادح عندما انتهج منطق الإقصاء المذهبي والسياسي، وتساهل مع ظاهرة الانشقاق من التجمع مبكراً، وتحول إلى بيئة طاردة أسهمت في إنتاج كل هذا التطرف والتطرف الآخر، لأن المنشقين تفرخوا إلى جماعات مبعثرة، ما بين فصائل متطرفة وأخرى معتدلة، ومذاهب متشيعة وأخرى "متسلفنة"، وأجنحة قاعدية، وأخرى متقاعدة بعد أفغانستان، وجماعات تقليدية وأخرى مجددة عنيفة، وجمعيات موالية للداخل وأخرى للخارج.. ومثل هذه التناقضات والبعثرة سرعان ما تتحول إلى ألغام نائمة في جوف المراحل لا تلبث أن تنفجر كلما حانت فرصة، لأنها تظل تبحث عن من يستقطبها ليستثمرها في معارك خاطئة ومهام كارثية..
سياسة التكفير أنتجت حركات مذهبية مسلحة كما حدث في صعدة وأدت للزج باليمنيين في حرب بالوكالة- لحسابات إقليمية.. كذلك تهميش سلفيي الرأي الآخر وعدم التحاور مع المنشقين من الإصلاح أنتج جماعاتٍ متطرفة، بعضها اتجه لطريق التعبئة الخاطئة التي ورطت اليمن في حرب إرهاب وعودة التطرف القاعدي وتزايد المنسبين العائدين من العراق، لتنجر اليمن إلى حرب دولية- بالوكالة أيضاً!! فيما نوع آخر من الجيل القديم العائد من أفغانستان اتجه لتغذية حراك جنوبي بالغ الحساسية اختلطت أوراقه، وتعمقت نزعته الانفصالية، ويمثله الفضليون!
كان بإمكان الإصلاح وواجبه أيضاً أن ينشغل قليلاً باحتوائهم واستيعابهم والحوار معهم ومقارعة الحجة بالحجة، ليحافظ على تماسك الإسلاميين ويجنب الوطن مصائب انقساماتهم.. لأن أول أدوات وضمانات التآخي والتكيف هي استيعاب الجماعات الإسلامية المختلفة في نسيج العمل السياسي بعيداً عن مزايدات الدين، فأبناء الوطن إما أن يتعايشوا ويؤمنوا بتقبل الآخر، وإما أن يتقاتلوا حتى تقوم القيامة.