
بالرغم من مرور نحو أربعة أيام على نزول الحلقة الأولى من موضوعنا الخاص بالسياسة النقدية, إلا أن ما توقعناه حدث بالفعل .إذ واصل الريال تدهوره بانخفاضه إلى أكثر من 214 ريالا للدولار هذا فضلا عن تأكيد ما ذهبنا إليه بشأن ارتفاع الودائع في البنوك بالدولار, وهذا ما أغاظ محافظ البنك المركزي ودفعه لاتهام البنوك بتحريض عملائها للاتجاه نحو الدولرة, وتهديدهم باتخاذ الإجراءات اللازمة. وكأن البنوك هي المذنبة, مع أنها هي الخاسرة من التوجه نحو الدولرة. إذ أن ارتفاع الودائع لديها بالدولار في ظل انخفاض الفائدة عليه, وفي المقابل ارتفاع سعر الصرف يؤدي إلى تكبيد البنوك خسائر فادحه وهذا دليل آخر على الهروب من الاعتراف بالفشل وتحميل الآخرين المسؤولية.
إن المرحلة القادمة لم تعد تحتمل أي مغالطات أو تبريرات غير منطقيه للفشل في ظل تفاقم مشكلاتنا الاقتصادية والنقدية على وجه الخصوص. مهما يحاول المسؤولون التملص من الإخفاقات. ومحاولة إغراء بعض الصحفيين المحليين والعرب بالمال لتحسين الصورة القاتمة, واستغلال ظروفهم المعيشية من أجل إظهار نجاحات على أوراق تلك الصحف فقط بينما الواقع يشهد تدهورا مريعا يلمسه الجميع. وفي هذه الحلقة الثانية والأخيرة نفند بعض المقولات الغير صحيحة التي وردت في المقابلة الصحفية لمحافظ البنك المركزي في صحيفة 26 سبتمبر.
ثم أن الأهم من ذلك ما أشار إليه بأن نسب التضخم متدنية، وأنا أعجب عندما يصرح معالي المحافظ أكثر من مرة ويقول بأن التضخم أقل من 3%، وفي هذه المقابلة ذكر بأنها أقل من 10%، وهذا من وجهة نظره يعد ميزة للادخار بالريال. بينما الجهات الحكومية تدحض مثل القول إذ تشير وزارة التخطيط والتعاون الدولي إلى أن التضخم ارتفع إلى 21% خلال عام 2006م وأن المتوسط للسنوات 2006-2008م بلغ 10% ويقدره اقتصاديون بضعف هذا الرقم،كما أن الأميين يحسون بارتفاع الأسعار ويعانون الأمرين، وذلك دليل على أن التضخم وصل إلى مستويات قياسية. وبالتالي فإن ارتفاع معدلات التضخم تؤدي إلى تأكل القوة الشرائية للعملة خصوصاًُ وأن الفائدة تقل عن التضخم هذا فضلاً عن الخسائر الناجمة عن تدهور الريال. وهذه مصيبة أكبر.
والملاحظ أن المقابلة تحوي الكثير من المتناقضات ففي الوقت الذي يتحدث عن ضعف الائتمان والقروض المقدمة للقطاعات الاقتصادية بسبب تخوف البنوك من عدم استرداد أموالها، نجده يتحدث عن القدرات الخارقة للبنك المركزي في إنقاذ القطاع المصرفي من الأزمة المالية التي أدت إلى انهيار أعرق البنوك العالمية، وهذا تناقض واضح، فالبنوك هي التي أنقذت نفسها لاحتفاظها بالأموال وتجميدها في خزائنها إذ تقدر تلك الأموال بحسب المؤشرات التي ذكرها المحافظ بنحو 900 مليار ريال. وهذه الأموال مجمدة إما في أذون الخزانة أو في خزائن البنوك.
وفي موضع آخر يشير المحافظ السماوي إلى أن البنوك أسهمت "في تمويل المشاريع الاستثمارية للحكومة" ولا ندري ما هي هذه المشروعات الإستراتيجية التي ساهمت فيها،مع أن المعروف أن الحكومة لم تنفذ خلال الفترة الماضية أي مشروع استراتيجي بتمويلات محلية، سواء من مصادرها الذاتية ومن الاقتراض من البنوك فمشروع الغاز المسال الذي بلغت تكلفته 4.7 مليار دولار كان بتمويل من شركات كورية باستثناء نسبة بسيطة لا تذكر للهيئة العامة للتأمينات. وكذا مشروع المحطة الغازية المتعثر منذ سنوات أقيم بتمويل خارجي. إذاً فأين هي الاستثمارات التي يتشدق السماوي بأن البنوك مولتها؟
وإذا كان يتحدث عن من مشاريع صحية وتربوية فإن معظمها تنفذ عن طريق مشروع الأشغال العامة والصندوق الاجتماعي للتنمية، وهذه المشروعات يتم تمويلها بقروض خارجية.
أيضاً أشار السماوي إلى النقد الموجه بشأن "تأهيل العاملين في البنوك". وأوضح بأن البنك نفذ مئات الدورات التدريبية المحلية للموظفين لأكثر من 1500 موظف في البنك المركزي و2500 في البنوك التجارية. ومن المؤكد أن العبرة ليست في الأرقام الفلكية التي يتحدث عنها،بقدر نوعية الدورات. كما أن هناك نقطة هامة أود توضيحها تتعلق بأهمية تأهيل قيادات البنك بدءاً من المحافظ ونائبه ومروراً بالوكلاء، والوكلاء المساعدين، والمدراء العموم. وأنا هنا اسأل المحافظ كم دورة تأهيلية متقدمة حضرها هؤلاء. وهل تم إرسالهم إلى أعرق الأكاديميات العالمية وأعرق المصارف المركزية لتعريفهم بتفاصيل الأعمال الدقيقة وكيفية إدارتهم للسياسات النقدية والمصرفية، أما لو تحدثنا عن مشاركة قادة البنك في دراسة القرارات واتخاذها فإن الأمر قد يكون صادماً لمتخذي القرار في البلد والمهتمين والقراء عندما يعرفون أن معظم الوكلاء والمدراء بدون صلاحيات وأنهم لا يستطيعون أن يتخذوا أي قرار أو يتحدثوا عن أبسط الأمور. فما بالكم عن قضايا خطيرة تتعلق بتدهور سعر الصرف. وأكبر دليل على ذلك أن المحافظ يوجه بدبج التصريحات الصحفية باسم مدير العلاقات العامة. مع أن اختصاصاته يقتصر على العلاقات والتنسيق والاستقبال والتوديع للوفود الخارجية أو المسئولين والمهتمين الذين يرغبون في تحديد مواعيد مع مسئولي البنك، بينما التصريح بشأن السياسات المتخذة ينبغي أن تكون على لسان المحافظ أو نائبه أو الوكلاء المختصين وهذا دليل على تفرد الرجل بالقرار ومزاجيته في التعامل، بل أني سمعت أن كوادر كفأة أصبحت الآن محنطة بسبب التهميش للكوادر والقدرات العالية.. بحيث أصبح يصف بعض الموظفين هذه الكفاءات بـ "المذحلين"!!.. ولكم أن تتصوروا كوادر وقدرات أصبح ينطبق عليها الوصف السابق. إنها الكارثة ورب الكعبة.
لقد وصف السماوي الخبراء وأساتذة الجامعة والمسئولين الذين وصفوا السياسة النقدية بالفاشلة بـ"الجهلاء" حيث أشار إلى أن من يوجه النقد الموجه بـ"عدم فاعلية السياسة النقدية يجهل ما تم تحقيقه من انجازات خلال فترة قصيرة ". وبالنسبة لي فإني لا أريد أن أعلق على كلام كهذا بنوع من السخرية لكني أستغرب أن يتحدث رجل عن انجازات وهمية لا أساس لها من الصحة، بل إن ما يحدث فعلاًُ في الواقع هو إخفاق بكل ما تحويه الكلمة من معنى. فالتدهور لسعر الصرف والذي ذكرناه سابقاً من 50 ريالاً إلى 213 ريالاً للدولار.. هل هو إنجاز؟ وارتفاع التضخم إلى أكثر من 20% وتجميد الأموال في خزائن البنوك.. هل هو إنجاز؟.. والاتجاه نحو الدولرة وفقدان الثقة بالعملة الوطنية هل هو إنجاز..؟ واستخدام سياسات نقدية انكماشية قادت إلى الركود الاقتصادي وتعثر الأنشطة الاستثمارية وتزايد معدلات الفقر والبطالة هل هو انجاز؟.. إذا كانت هذه الانجازات التي يقصدها السماوي فعلى البلاد السلام. أما الأرقام التي ذكرها في المقابلة وعدها في قائمة الانجازات فهي لا تسمن ولا تغنى من جوع، فما الفائدة من ودائع وصلت إلى 1300 مليار ريال، ومعظمها مجمدة في خزائن البنوك، بينما اليمن بحاجة إلى استثمارات عملاقة في الكهرباء وفي الاسمنت وفي الحديد. وما الفائدة من منح قروض بـ 500 مليار ريال معظمها يذهب للتجارة والاستيراد بينما لا تحصل قطاعات إنتاجية كالزراعة والأسماك على 1% من هذه القروض. بل إن التركيز على منح قروض للتجارة يؤدي إلى الضغط على النقد الأجنبي ويستنزف جزءاً كبيراًُ منه إلى الخارج. أما بناء الاحتياطيات التي تحدث منها فالفضل يرجع لعائدات النفط خلال السنوات الماضية والتي وصلت عائداته في 2008 إلى 4.5 مليار دولار.
إذاً.. أين هي انجازات البنك المركزي يا صاحب المعالي؟.. بالتأكيد لا شيء من هذا القبيل حتى وإن حاولت استمالة الإعلاميين الرسميين وصرفت لهم كالعادة عشرات الآلاف من الريالات، ووجهتم بقيادة مملة بتحمل وجه البنك، فإنها لن تجدي ما دام تدهور الريال مستمراً، وبالتالي فإن ما حدث خلال أكثر من 13 عاماً هي إخفاقات متتالية تكاد أن تقود البلاد إلى الدمار الشامل..! فهل من صحوة لإنقاذ أهم سلطة نقدية داخل البلد وتعد صمام الأمان؟؟