| حوض صنعاء المائي يقترب من الكارثة |
|
|
|
الثلاثاء , 23 فبراير 2010 م |
|
|
القيادات المائية تتجاهل الدراسات العلمية
أحمد عبدالله جحاف
هي المرة الأولى واليتيمة التي نسمع فيها أن شخصيات كبيرة في الدولة اليمنية تدعو إلى عقد ندوة بهذه الأهمية تحت شعار الحفاظ على صنعاء القديمة وتحضرها شخصيات رفيعة في الدولة.
ندوة جاءت متأخرة عن زمن انعقادها المفترض بعقود زمنية طويلة، لعل الزمن الصحيح لانعقاد مثل هذه الندوة كان في مطلع سبعينيات القرن الماضي، لأن في هذا التاريخ بدأ يلوح في الأفق الصنعاني قدوم خطر يتهدد بشكل قوي هذه المدينة قديمها وحديثها، وينذر بكارثة تاريخية إنسانية إن لم تتخذ الإجراءات الدفاعية العلمية السليمة للحد من السرعة التي يسير بها هذا الخطر نحو صنعاء.
هذا الخطر هو ما أطلق عليه بخطر جفاف حوض صنعاء من مياهه الجوفية.
إذاً فصنعاء التاريخ والحضارة تصارع هذا الخطر منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي دون أن تتمكن من الحد من فعالية هذا الخطر القادم إليها من أعماقها، حسب ما تفيد تقارير وزارة المياه والبيئة مؤخراً.
ومن المستغرب أن الحكومة اليمنية تلقت مثل هذا الإنذار المبكر بقدوم الخطر واتخذت عدة إجراءات إزاءها بدءاً باستقدام عدد من الشركات الأجنبية لوضع دراسات علمية لحوض صنعاء بلغت أكثر من ست شركات كلفت الخزينة العامة للدولة ملايين الدولارات، إلا أن أدوات متابعة نتائج ما قدمته تلك الشركات في دراساتها لحوض صنعاء لم تكن بمستوى حجم الخطر وما يترتب عليه من نتائج جد خطيرة على مستقبل العاصمة صنعاء.
وهكذا بقيت نتائج وتوصيات تلك الدراسات حبيسة الأدراج في عدد من الدوائر المائية دون أن تمتد إليها يد القيادات المركون بها أمر ملف مياه الجمهورية بشكل عام وحوض صنعاء بشكل خاص، في حين أن مسألة أزمة المياه الجوفية في حوض صنعاء شكلت مجالاً رحباً وميدان تسابق لكثير من الناس في السلطة للإمساك بهذا الملف لما له من أهمية كبيرة سيكسب المتربع على رأس الإدارة المعنية الكثير من الإدرار غير المشروع.
لهذا لا غرابة في ظل هذا الإغفال الحكومي الرسمي بملف المياه أن تجد قيادات مائية كالمتخصص في الزراعة أو في المعدات الثقيلة أو الهندسة المعمارية هم من يقودون هذه الدوائر المائية، وهي كما نرى تخصصات ليس لها أي ارتباط من قريب أو بعيد بعلم المياه الجوفية كأهم علم يحتاج إليه حوض صنعاء من المتخصصين المنتمين إليه لفهم وحل إشكالية المياه الجوفية أو الحد منها، وبهذا الموضع الإداري المتميز داخل الإدارة المائية والإغفال الحكومي الرسمي فليس من الغريب أن تجد نفسك أمام سبعة تواريخ مختلفة كل منها يتحدث عن جفاف حوض صنعاء وبحلول كل تاريخ منها، وهذا ما يؤكد أننا أمام مجموعة نتائج لمنجمين وليس قيادات مائية تحمل على عاتقها إنقاذ هذه المدينة التاريخية من خطر جفاف حوضها من مياهه.
وهكذا يسير خطر جفاف حوض صنعاء مقترباً من وقوع الكارثة في وقت تسعى الإدارة المائية الحالية إلى الدفع بهذا الخطر بسرعة أكبر نحو الكارثة تتمثل بعدد من الخطوات التي تتبعها الإدارة المائية الحالية كمنح التصاريح الجديدة بحفر آبار عميقة تصل في بعضها إلى ما يزيد عن ألف متر عن سطح الأرض في حوض صنعاء.
كل هذه الأعمال العشوائية غير المدروسة هي من تشكل الخطر المضاعف على مستقبل عاصمتنا التاريخية صنعاء وما يهم هذه الإدارة المائية ليس إلا دفع الرسوم الخيالية والخالية منها الخزينة العامة للدولة.
السبب في ذلك يعود كما قلنا سابقاً أن القيادات المائية لا تدري ما حوته الدراسات العلمية لهذا الحوض المقدم من الشركات الأجنبية والموجودة أسيرة أدراجهم من معلومات لو عادوا إليها لتبينوا أن منح التصاريح بحفر آبار جديدة وبهذه الأعماق الكبيرة هي أكبر خطر على مستقبل مدينة صنعاء.
في إحدى الدراسات العلمية لواحدة من الشركات التي عملت على حوض صنعاء عام 1983-1986 قد بينت أن الخزان الصخري الهام والأساسي في حوض صنعاء الذي يسمى الخزان الصخري الرملي لمجموعة الطويلة .. يتواجد على أبعاد مختلفة من سطح أرض حوض صنعاء.
فحين يكون على بعد 150-250م من سطح الأرض في الحقل الشرقي لحوض صنعاء يكون الخزان الصخري هذا على بعد 600 إلى أكثر من ذلك في الحقل الجنوبي حتى يصل إلى بعد 950م من سطح الأرض في منطقة حزيز، وهي حقائق أثبتتها تجارب الحفر من بعد رحيل تلك الشركة.
إذاً فأي مساس بهذه الأبعاد والوصول بالحفر إلى ما هو أعمق منها يعرض مخزونات هذا الخزان الصخري الرئيسي "مجموعة الطويلة" مما يحويه من مياه جوفية إلى تسريبها نحو الأعماق السحيقة، وهكذا تصبح عجلة سير خطر جفاف حوض صنعاء من مياهه الجوفية أكثر سرعة واحتمال عدم بقاء مدينة صنعاء بنمطها التاريخي وجماله الفني المعماري المميز على قاب قوسين أو أدنى من هذا الحدوث.
ومن خلال مطالعتي لما دار في الندوة عن موضع "الحفاظ على صنعاء القديمة" كما نشرته بعض الصحف المحلية فإن مشكلة أزمة المياه الجوفية في حوض صنعاء كتهديد حقيقي يعتبر الأخطر تحدياً على مستقبل مدينة صنعاء، قد حيدت من مناقشات هذه الندوة التي استمرت على مدى يومين متتالين.
ربما أن مسألة ذوي القربى عن أسباب عدم تعاملهم بجدية من هذا الخطر المحدق بهذه المدينة التاريخية كان أحد أسباب تحييد هذا الموضوع من النقاش أثناء تلك الندوة، إنني لا أجد أحداً في هذا الكون يستطيع القول لي أن بإمكان صنعاء الصمود والبقاء أمام زحف وتحدي خطر جفاف حوض صنعاء من مياهه الجوفية لفترات طويلة، كما أنه ليس هناك من عقلية سليمة تستطيع أن تقدم ضمانتها في إبقاء الحياة والديمومة لمدينة صنعاء من خلال أنبوب تتسرب عبره مياه محلاه من مياه البحر الأحمر أو عبر أنبوب تنساب مياه منقولة من رملة السبعتين، وكلها مصادر تبعد عن صنعاء ما يزيد عن 250 كم، لتوفير شربة المياه لقاطني مدينة صنعاء في ظل وضع اقتصادي يصعب معه أن يفي ساكن صنعاء بالتزاماته تجاه مؤسسة المياه بتسديد فواتيرها عن مياه تأتي إليه من تحت أقدامه هي أرض حوض صنعاء، فكيف بحاله حين تأتيه المياه من على بعد 250 كيلو متراً.
إن توفير قطرة من مياه الشرب لسكان مدينة صنعاء لإبقائهم على قيد الحياة ليس هو الحل، لأن كل شيء آخر في مدينة صنعاء القديمة والحديثة سيموت فلا حديقة ولا زهرة تفوح بعبقها الصاعد في فضاء صنعاء لأن عنصر الحياة الأول يكون قد جف ولا سمح ا لله.
لقد كان من واجب منظمي هذه الندوة اليتيمة عن صنعاء القديمة فتح ملف خطط وبرامج الحكومة اليمنية في مواجهة أزمة مياه حوض صنعاء التي بدأتها منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي وما الذي تم فعله وتنفيذه من تلك الخطط والبرامج.
كان أحرى بمنظمي هذه الندوة أن تتساءل عن ما الذي أمكننا الاستفادة منه من الدراسات سابقة الذكر عن مياه حوض صنعاء حتى يمكن إزالة هذا الخطر المحدق بمدينة صنعاء والقادم من أعماق حوضها.
كان الأجدر بمنظمي هذه الندوة السؤال عن البرنامج الاستثماري C A S الذي خصص لتنفيذ مكوناته الأساسية قرض بملايين الدولارات استنزف منه حتى اليوم ما يزيد عن 47 مليون دولار مضاف إليه أكثر من 250 مليون ريال دعم محلي فقط منذ عام 2004، في حين أن تلك المكونات "بناء وترميم 16 سد على حوض صنعاء" وإدخال نظام الري الحديث للمساحة المزروعة في حوض صنعاء لم يتحقق منها شيء رغم ما ذكرناه من مبالغ تم استنزافها من ذلك القرض، وهي المحصلة التي تحدث عنها وزير المياه والبيئة في اليوم العالمي للمياه معلناً فشل الإدارة الموكل إليها تنفيذ تلك المكونات بذلك القرض دون أن نعلم كيف تم استنزاف ذلك المبلغ الكبير.
كان من المفيد لتلك الندوة أن توجد السؤال عن مدى تطبيق قانون جعل صنعاء محمية مائية وعن أسباب منح أكثر من عشرين تصريحاً حديثاً لأصحاب الحفارات بحفر آبار جديدة وعميقة في بلاد الروس وبني حشيش تلقت الجهة المانحة لتلك التصاريح الرسوم الخيالية الخالية خزينة الدولة منها.
كان الواجب على معدي هذه الندوة وضع التساؤلات على الجهات المعنية في وزارة المياه والبيئة عن أسباب وجود سبعة تواريخ مختلفة كلها تتحدث عن حدوث جفاف بحوض صنعاء بحلولها وعن أسباب وجود تناقضات في الأرقام عن الكم المستنزف والمتجدد وغير المتجدد من مياه حوض صنعاء.
كان الأحرى بمعدي هذه الندوة أن يعلموا أن الإدارة المائية المعنية بحوض صنعاء خلال هذه السيرة الطويلة من تحرك خطر أزمة المياه الجوفية في حوض صنعاء قد أصبحت هذه الإدارة بتركيباتها القيادية الحالية القوى الفاعلة في تسريع عجلة الخطر القادم من أعماق حوض صنعاء وأن التغيير في تركيبتها قد بات أمراً ضرورياً ومستعجلاً كونها إدارة ليست إلا جزءاً أساسياً من أزمة المياه الجوفية في حوض صنعاء وليس حلاً لها كما كان يعتقد.
ومن خلال هذا الطرح فإنني أدعو أمين العاصمة ومحافظ المحافظة وكل من يرى في نفسه واجب الدفاع عن مدينة صنعاء وحمايتها المبادرة بالاتصال بالرقم 777547683 لإعلان موافقية بالانضمام إلى جمعية "رسل الحياة التطوعية" التي هي في بداية تشكيلها وتضم عدداً من الشخصيات وصلت حتى الآن 65 شخصية تحمل على عاتقها الحفاظ على صنعاء وديمومتها من أيدي العابثين.
ألا تستحق منا صنعاء أن نكون سياجها المنيع الحامي لها من كل عابث جاهل للقيم والتاريخ والحضارة والجمال الذي تتصف به صنعاء.
وفقنا الله جميعاً لما فيه صالح هذه المدينة وكل مدن اليمن.
مهندس/ هيدروجيولوجي وهندسة جيولوجية
وباحث في مجال مياه حوض صنعاء
|
|
|