| إدارة.. بالتلفون، والكل.. هاربون |
|
|
|
الثلاثاء , 23 فبراير 2010 م |
|
|
أحمد مهدي سالم
عندما يتواجد المسؤول في مكتبه ملتزماً بالحضور تسهل الإجراءات الإدارية، وبقربه من المواطن تقل شكاواه وتنكسر مخالب الشر في نفسه وتخرس أو تضعف ألسنة التقولات.
اقترابه من هم الناس في الشارع يساعد على حلها، أو بعض منها، وما فوق صلاحياته يرفع به رسائل ومذكرات إلى الجهات المختصة الأعلى من سلطته.
وقد درجت العادة أن توقيعاً بسيطاً لمدير عام مديرية مثلاً يأخذ من المراجع وقتاً طويلاً من المتابعة، ويكلفه مبالغ كثيرة في التنقل والالتزام بالدوام بشكل عام أولى درجات الاحترام للمسؤولين.. أمور أخرى ليس هنا مجال استعراضها بقدر ما يعنينا أن تهرب المسؤولين من مكاتبهم وقراهم ومناطقهم إلى زنجبار عاصمة أبين أو نزوحهم في رحلة الهجرة إلى عدن.. تترتب عليه مضاعفة المعاناة، وخلق الفراغ الإداري وإطلاق صيحات الغضب وكلمات الاستنكار الحبيسة في الصدور لتضاف إلى موجة الصرخات الحراكية، وحملات ترويج الكراهية، وصبها صباً في قالب شعور ناقم وحاقد على قيادة المحافظة السياسية والتنفيذية.
ويحز في النفس أن ترى من يأخذه الشعور بالعزة مع الإثم وهو بين أوساطنا، ولا مفر من الاعتراف بالحق، ورده إلى صاحبه في تجسيد للسلوك الحضاري المرتجى، ويتحول بي هذا الاستطراد إلى التفاعل الإيجابي من قبل أحمد بن أحمد الميسري محافظ أبين على مقال سابق نشرناه في صحيفة "الغد" تحت عنوان (موسم الهجرة إلى عدن) الذي ما أن قرأه –وهو بالمناسبة قارئ ومتابع ممتاز- أصدر قراراً إلى كل المسؤولين بمنع السكن في عدن، وألزمهم بالبقاء بالسكن بالقرب من مرافقهم ومؤسساتهم، وقد تناولته بعض الصحف بالثناء، وهو أهل له.. لأنه لقي ارتياحاً طيباً وصدى إيجابياً بين أوساط الناس، وكان الدكتور حمود عثمان السعدي الوكيل المساعد لمحافظة أبين أول من حدثني عن مبادرة المحافظ تجاه ما نشر، وبعده توالت كلمات الشكر والإطراء للصحيفة الأهلية للسبق، وحسن التناول، وإن كنا ننتظر أن يتلفن للصحيفة شاكراً وذاكراً ما اتخذه لتنشره، أو يكلف أحداً من كتيبته الإعلامية المرابطة في محور أبين ليقوم بالواجب، وما علينا يا حبيبي ما علينا، المهم أن المحافظ اقتنع، و الحلو تبسم على قول عفاف راضي إحدى مطربات الزمن الجميل.
واليوم نطرق قضية جديدة في أبين نزعم أنه لم يطرقها قلم صحفي أو متصحف، ولا كاتب أو كويتب، وهي هروب مدراء عموم المديريات من مناطقهم واستقرارهم في زنجبار عاصمة المحافظة باستئجار مساكن خاصة بهم، أو بالسكن عند أقاربهم، وترك مديرياتهم بدون رأس السلطة المحلية وسنامها.
تراهم ومعهم أحياناً أمناء العموم أمام بوابة البيت الأبيض (التسمية الشعبية لديوان المحافظة) بزعم متابعة المشاريع والمخصصات والمستخلصات ومطاردة المقاولين واللهاث وراء النصيب من مغانم السلطة وامتيازاتها وغيرها، وبعد ذلك.. ينتقل كل واحد منهم وجماعته إلى مطاعم المندي المنتشرة قريباً من الديوان، ويخامرنا الشك بأن أصحابها أبرموا عقوداً معهم.
وقد يقول قائل من المزايدين: وماذا يعني في ذلك طالما وهم يتابعون المستخلصات ومشاريع لمناطقهم؟
وأجيب: لا يعيب، والكلام فيه شيء من المنطقية، إذا كان ذلك في أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة، لكن أن يظل كثير منهم عامين أو أكثر ولا يزورون مديرياتهم، وإن سافر بعضهم إليها في زيارات خاطفة لحضور جنازة أو المشاركة في عرس أو مع زيارة وزير أو شيء من هذا القبيل فلا يمثل ذلك شيئاً، وأعجبني تعليق طريف يقول: إنهم لا يسافرون إلى مديرياتهم، بل تسافر مديرياتهم إليهم.. ونواصل: بعد إسقاطهم التكليفات المؤقتة تعود هجرتهم الداخلية، وزحفهم الظافر إلى زنجبار للمرابطة أمام البيت الأبيض، ورصد الداخلين والخارجين.. ربما يظفر البعض برقبة سمين.
وللمتابعين المتعوبين.. أبوح لهم بسر، راجياً أن يكونوا محافظين على كتمانه ولا يحرجونني، وهو أن صاحبهم سيجدونه إما في مكتب الشؤون المالية حيث المدير الجديد خالد حوتري، أو في سكرتارية مكتب المحافظ، أو في محلات المندي، وتنقطع ذراعي إذا لم ينجحوا في التقائهم، وإنجاز معاملاتهم، ولا أريد منهم غداء أو فلوساً أو قاتاً، وليس كما غنى محمد محسن عطروش متغزلاً في بنات جبل صبر:
أنا ما اشتيش بلس أو قات
وأنا با أدفع مائة ومئات
ثمن للحسن والنظرات
وكلمة الشكر تكفيني، وأصحابي مشنّبون" ووجوههم كالحة كثعالب البادية، وإنما أريد أن أخدم، وكل مأجور بما يفعل من الحسنى.
ولا مناص من التأكيد على أن هناك فرقاً بين أن يباشر المدير العام في ناحيته ويكون على تماس مع هموم أهلها اليومية واحتياجاتهم المعيشية، ووضع البرامج والخطط المستقبلية، والتخفيف من غلواء الخطابات الحراكية، وكبح النزعات الإجرامية، وبين أن يظل نازحاً عنها مستقراً في زنجبار، ومواصلاً حضوره اليومي إلى البيت الأبيض ليتمتع برؤية بشاشة وجه أوباما أحمد الميسري الذي للأمانة له إطلالة بهية وملامح لا تعرف العبوس، وتحيط به حراسة مشددة أفتك وأكثر من حراسة رئيس مجلس الوزراء.
وهؤلاء مدراء العموم الجالبون للهموم ومعهم عدد من مدراء المكاتب شبه الفاشلة، شغلوا معظم أوقات المحافظ بالاجتماعات واللقاءات والمتابعات.. حتى في أيام مقابلات المواطنين تراهم داخلين خارجين دونما اعتبار لمشاعر متابعين يلهثون من شهور، وربما من سنين، وكثير منهم غير مقتنعين إلا بمقابلة المحافظ شخصياً.
وهذا الزحام الكبير له أكثر من تفسير، وتساءل بعض المواطنين ساخرين: لماذا لا يوقع مدراء العموم في سجلات حضور الموظفين عند المغادرة؟!
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل الرجل الأول في أبين عالم بأن مدراء العموم أكثر انضباطاً من موظفيه في الحضور اليومي الذي في معظم الأحيان ليس له مبرر؟
ودعوني أتكل على الله وأتبرع بالإجابة: نعم عالم وعارف، وراض ومتغاض، وإلا لوجههم بالمغادرة الفورية إلى مديرياتهم التي تشتعل فيها حرائق، مشاكل وتخريبات، وتقطعات واختطافات، وإيقافات لمشاريع الخدمات والطرقات، ورفرفة الأعلام الشطرية على بعض المباني ونقش الشعارات الانفصالية على واجهات الجبال "طبعاً ليس في كل المديريات" وإنما بنسب متفاوتة، ولكان أشعرهم بعدم المجيء إلا عندما يرسل لهم، أو عند حصول أشياء خطيرة تتطلب العودة إلى زنجبار.. وأستدرك: وهل هناك أخطر مما ذكرناه؟!
ويتذكر معظم الناس بما فيهم المعارضون هيبة الأخ أحمد علي محسن محافظ أبين الأسبق، محافظ المحويت حالياً، الذي منع المدراء وأولهم مديرا الأمن العام والأمن السياسي علناً من المجيء إلى مكتبه أو منزله إلا عندما يستدعيهما، ومنحه ذلك تفرغاً كبيراً لحل كثير من أخطر القضايا، ويكفيه شرفاً أنه المحافظ الأول في المحافظات الجنوبية والشرقية الذي حل قضايا التأميم.. أخطر قنابل الاشتراكي وأعنف عبواته الناسفة، أما بعد تحويله صار قادة الأمن والمقربون من المدراء والمثقفين الانتهازيين في حضن المحافظ، وعلى يمينه وعلى يساره.
كان أحمد علي محسن رجل قرار، لكن الظروف غير الظروف، والوقت غير الوقت، وكلما عشنا.. يا ما نشوف.
إلزام أولئك المدراء بالبقاء في مناطقهم.. أليس ذلك الوضع الطبيعي والأفضل؟! وكم من مرات حصلت فيها إشكالات وتقاطعات حادة يوقع كل أعضاء محلي المديرية أو معظمهم ضد المدير العام أو الأمين العام، مطالبين بالتغيير وإلا فالاستقالات أو التجميد، وهات يا اجتماعات ويا لجان ويا ترضية.
كل تلك المشاكل تحصل بسبب الغياب الذي يباركه المحافظ من حيث لا يدري عواقبه ما دام لم يمنعهم من مكتبه، ويسقط حكاية إدارة الواحد منهم لمديريته بالتلفون: (ألو، اعملوا كذا، وتواصلوا مع فلان..).
المحافظ حول لهم جوالات بثلاث شرائح واعتماد اتصالات شهري، والظاهر أنهم فهموا التوجيه خطأ.. أي يبقون في زنجبار ويديرون أعمالهم بالتلفون وما أدراك ما التلفون، ومن باب توارد الخواطر، وتطييب الخاطر، نذكر مقاطع من أغنية شهيرة تتكلم عن التلفون، وقد سمعتها بصوت الفنان المرحوم حسن عطا، وفيها يقول:
"أيش الذي قل لعقله يدق له تلفون
ومر بكره وبعده
ما أدري أنا أيش قصده
لما خلف بس وعده
وأصبحت حائر معذب
أُحرق بنار الشجون"
وستظل –يا مهندسنا الشاب- حزيناً محرجاً محروقاً بنار الشجون، ما دام هم بجنبك يلعبون ويطّبلون لك بأحلى اللحون والرقصات من كل لون، وبعدين.. لما الأذون.
وإذا تأملنا المسألة من وجهة أخرى فإن مباشرتهم لأعمالهم في مواقعهم تعطي دفعاً أسرع لوتيرة العمل، وتضبط بوصلة الأداء بما يساهم في تحسين وضع المديرية، وتعزيز هيبة الدولة، كما ستوفر عليهم صرفيات كثيرة كانت تعطى لهم ومرافقيهم وجماعاتهم في التنقل والمواصلات والتغذية والقات ولواحقه، سيما أن محافظة أبين فقيرة مادياً، ومعظم أهلها كُتب على سيماهم الفقر والبؤس وكثرة الأسئلة الملحاحة، والمحاججة المتشككة، وغاب عنهم أن الله عز وجل عذّب بني إسرائيل لأنهم كانوا كثيري الأسئلة.
(قبل الختام)
إلام ستظل أبين مقبرة للمبدعين، وحتّام.. أغزرهم عطاء.. أكثرهم عرضة للإيلام
(آخر الكلام)
لا تغضبن من سنّة أنت سِرْتها ** فأولُ راضي سنّة من يسيرُها
-خالد بن زهير- |
|
|