haroji@gmail.com

أخيراً توقفت حرب صعدة، وهي بالتأكيد خطوة ايجابية وشجاعة تحسب للسلطة والحوثيين على السواء، غير أن إيقاف الحرب في اعتقادي لا يكفي وحده لإعادة السلام المفقود منذ 2004 إلى هذه المحافظة وغيرها من المناطق التي دارت فيها المواجهات المسلحة لستة أشهر بالتمام والكمال، ولكن يجب أولاً أن تتجه كل الجهود وبمصداقية وشفافية عالية وبأقصى سرعة لمعالجة مسببات هذه الحرب الملعونة والتي ما تزال غامضة حتى اليوم، حتى لا نجد أنفسنا في قادم الأيام أمام جولة سابعة ترى كل التحليلات أنها ستكون مدمرة بكل المقاييس.
بالطبع كانت هناك أخطاء فادحة ارتكبت من قبل السلطة والحوثيين في هذه الحرب، وهذه الأخطاء تكررت من جولة لأخرى وتراكمت حتى اليوم الذي نشهد فيه توقف القتال في جولته السادسة، ولست هنا بصدد توجيه الاتهامات، ولا الظرف الحالي الذي تمر به البلاد يسمح بمحاسبة المتسبب في إشعال هذه الحرب التي كبدت البلاد والعباد خسائر فادحة في الأرواح والقدرات الخاصة والعامة، وإن كان أمر المحاسبة واجب الحدوث في المستقبل.
غير أن هذه الأخطاء والمواجهات المسلحة عموماً خلفت عدداً كبيراً من القتلى والجرحى في صفوف القوات الحكومية والمقاتلين الحوثيين وفي أوساط المواطنين سواء الذين شاركوا في القتال مع هذا الطرف أو ذاك أو الذين وقعوا ضحايا لأخطاء الحرب والمواجهات، الأمر الذي خلق الكثير من العداوات بين الناس ودفعهم لفتح سجلات الثأر والانتقام ولو بعد حين، وهذه من أهم وأخطر المشاكل التي خلفتها حرب صعدة، وتحتاج لتعامل جاد ومسئول من قبل الدولة وكل فعاليات المجتمع المدنية والسياسية والقبلية، لأن تجاهل مثل هذه القضية وعدم معالجتها واحتواء تداعياتها قد يتسبب في تفجر العديد من الحروب التي يصعب السيطرة عليها حتى وإن بدت صغيرة وغير مؤثرة.
ومعلوم للجميع أيضاً أن معاناة أبناء محافظة صعدة ومديرية حرف سفيان كانت شديدة وفوق احتمال البشر وجراحهم ما تزال غائرة، وليس من السهل عليهم أن يجدوا أنفسهم وأسرهم في العراء بلا زاد ولا مأوى بعد أن دمرت هذه الحرب العبثية مساكنهم ومزارعهم وأفقدتهم متاعهم وكل ما يملكون على هذه الأرض وحولتهم إلى نازحين يبحثون عن كسرة خبز وشربة ماء، وهو ما يوجب على السلطة تخفيف معاناتهم وتضميد جراحهم، وتعويضهم عن ما لحق بهم دون جرم اقترفوه وإعمار ما دمرته الحرب عليهم، فضلاً عن إعادة تأهيل البنية التحتية والمشاريع الخدمية في مناطق المواجهات والتي أصبحت منتهية تماما.
على السلطة اليوم التعامل بجدية مع هذا الملف وطي صفحاته برؤية ومعالجة وطنية خالصة بعيدة عن أي حسابات سياسية أخرى، وعلى الحوثيين أن يدركوا أنهم جزء من هذا الشعب وأبناء هذا الوطن، ومن الواجب عليهم الانصياع لصوت العقل والخضوع للنظام والقانون، ويكفي ما لحق بالوطن من ويلات وأوجاع بسبب هذه الحرب، والله نسأل أن تكون الأخيرة، وأن يجنب اليمن وأهله كل سوء ومكروه.